قطوف وفوائدقطوف وفوائد متنوعة

الشافعي في مرض الموت

كلمات الشافعي في مرض الموت

قال المزني: دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقلت: يا أبا عبد الله كيف أصبحت؟ فرفع رأسه، وقال: أصبحت من الدنيا راحلا، ولإخواني مفارقا، ولسوء عملي ملاقيا، وعلى الله واردا، ما أدري روحي تصير إلى جنة فأهنيها أو إلى نار فأعزيها ثم بكى الشافعي وأنشأ يقول:

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي == جعلت رجائي دون عفوك سلما

تعاظمني ذنبي فلما قرنته == بعفوك ربي كان عفوك أعظما

فمازلت ذا عفو عن الذنب == لم تزل  تجود وتعفو منةً وتكرما

فإن تنتقم مني فلست بآيس == ولو دخلت نفسي بجرمي جهنما

ولولاك لم يُغو بإبليس عابد == فكيف وقد أغوى صفيّك آدما

وإني لآتي الذنب أعرف قدره == وأعلم أن الله يعفو ترحما

( السير ـ المناقب)

مواقف مؤثرة من سيرة الإمام الشافعي رحمه

وهنا نضع بين أيديكم شذرات من مواقف قوية ومؤثرة جدا مقتطفة من سيرة علم مميز من أعلام هذه الأمة الإسلامية، وبطل من أبطالها الكبار، وإمام من أئمة الدين الأغيار، قمع به البدع وأنصارها، نصر الله به سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وشد بع عضد أنصارها.

نظرات في حياة الشافعي رحمه الله

ولد الإمام الشافعي رحمه الله بغزة وهي مدينة في أقصى الشام من ناحية مصر جنوب فلسطين، وذلك سنة (150هـ) من شهر رجب.

اشتهر الشافعي بالذكاء والحفظ منذ صغره، يقول متحدثا رحمه الله عن نفسه: كنت في الكتَّاب أسمع المعلم يلقن الصبي الآية فأحفظها، فإلى أن يفرغ المعلم من الإملاء عليهم أكون قد حفظت جميع ما أملى، فقال لي ذات يوم: لا يحل لي أن آخذ منك شيئًا، واستمر على ذلك، حتى جمع القرآن وهو ابن سبع سنين.

وقد نشأ يتيمًا في حجر أمه، فخافت أن يضيع بما لا ينفعه فتحولت به إلى مكة، وهناك تعلم العربية، والشعر، ثم حُبب إليه الفقه فساد أهل زمانه، وصنف التصانيف العظيمة في الفقه، وأصوله، والأنساب، والأدب وغيرها.

كان الشافعي في وقته: إمام الدنيا، وهو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان ابن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب ابن عبد مناف، عالم العصر، ناصر الحديث، فقيه الملة كان أبيض جسيمًا، طوالًا جميلًا مهيبًا، وقد أثنى عليه العلماء ثناءً عظيمًا، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: “ما أحد مس بيده محبرة ولا قلمًا إلا وللشافعي في رقبته منة، ولولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث، وكان الفقه مقفلًا على أهله حتى فتحه الله بالشافعي”.

وأجاب عندما سأله ابنه قائلا له: يا أبت أي رجل كان الشافعي؟ سمعتك تكثر الدعاء له، فقال: يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، فانظر هل لهذين من خلف أو عوض. وكان أحمد بن حنبل يدعو له في صلاته نحوًا من أربعين سنة وكان أحمد يقول في الحديث الذي رواه أبو داود مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه: عَنِ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: “إِنَّ اللهَ يَبعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأسِ كُلِّ مِئَةِ سَنَةٍ مَن يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا”، قال: فعمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، والشافعي على رأس المائة الثانية.

وقال عبد الرحمن بن مهدي: “لما نظرت الرسالة للشافعي أذهلتني لأنني رأيت كلام رجل عاقلٍ، فصيح نصيح، فإني أكثر الدعاء له، وما ظننت أن الله خلق مثل هذا الرجل”.

وقال داود بن علي الظاهري في كتاب جمعه في فضائل الشافعي: “للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره، من شرف نسبه، وصحة دينه ومعتقده وسخاوة نفسه، لا ومعرفته بصحة الحديث وناسخه ومنسوخه وحفظه الكتاب والسنة، وسيرة الخلفاء، وإقامته على السنة”.

وكان الشافعي يقول: “العلم علمان: علم الدين وهو الفقه، وعلم الدنيا وهو الطب، وما سواه من الشعر وغيره فعناء وعبث، وأنشأ يقول:

كُلُّ العُلُومِ سِوَى القُرآنِ مَشْغَلَةٌ == إِلَّا الحَديِثَ وَعِلْمَ الفِقْهِ فِي الدِّينِ
العِلْمُ مَا كَانَ فِيهِ قَالَ حَدَّثَنَا وَمَا == سِوَى ذَلكَ وَسْوَاسُ الشَّيَاطِينِ

وسُئل: كيف شهوتك للعلم؟ قال: أسمع بالحرف مما لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعًا تتنعم به مثل ما تنعمت به الأذنان، فقيل له: فكيف حرصك؟ قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال، فقيل له: فكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره.

قال رحمه الله: سَأَضْرِبُ فِي طُولِ البِلَادِ وَعَرْضِهَا أَنَالُ مُرَادِي أَو أَمُوتُ غَرِيبًا فَإِن تَلِفَتْ نَفْسِي فَلِلَّهِ دَرُّهَا وَإِنْ سَلِمَتْ كَانَ الرُّجُوعُ قَرِيبًا وكان يقول: “قراءة الحديث خير من صلاة التطوع، وطلب العلم أفضل من صلاة النافلة”.

ومن قوله: “من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن تكلم في الفقه نما قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه”.

وقال: “وَدِدْتُ أَنَّ النَّاسَ تَعَلَّمُوا هَذَا العِلْمَ، وَلَم يُنسَبْ إِلَيَّ مِنهُ شَيءٌ، فَأُؤجَرُ عَلَيهِ، وَلَا يَحمَدُونِي”.
وقال أيضًا: إِذَا صَحَّ الحَدِيثُ فَهُوَ مَذهَبِي، وَإِذَا صَحَّ الحَدِيثُ فَاضْرِبُوا بِقَولِي الحَائِطَ.

وكان من العبَّاد الزهَّاد، قال الربيع بن سليمان: “كان الشافعي قد جزَّأ الليل، فثلثه الأول يكتب، والثاني يصلي، والثالث ينام، وكان يختم القرآن في كل رمضان ستين ختمة، وفي كل شهر ثلاثين ختمة”.

أقوال الشافعي

ومن أقوال الشافعي التي انتشرت:

“العلم ما نفع وليس العلم ما حفظ”.
وقال: “ما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا مرة، فأدخلت يدي فتقيأتها؛ لأن الشبع يثقل البدن ويقسي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف العبادة”.

وقال: “لا يكمل الرجل إلا بأربع: بالديانة، والأمانة، والصيانة، والرزانة”.
وقال: “العاقل من عقله عقله عن كل مذموم”.
وقال: “من لم تعزه التقوى فلا عز له، وما فزعت من الفقر قط، فطلب فضول الدنيا عقوبة عاقب الله بها أهل التوحيد”.

وقيل له: ما لك تكثر من إمساك العصا، ولست بضعيف؟ قال: لأذكر أني مسافر.

وقال: من لزم الشهوات لزمته عبودية أبناء الدنيا،
وقال: الخير في خمسة: غنى النفس، وكف الأذى، وكسب الحلال، والتقوى، والثقة بالله،
وقال: اجتناب المعاصي، وترك ما لا يعنيك ينور القلب.

وقال رحمه الله: “إذا تكلمت فيما لا يعنيك ملكتك الكلمة ولم تملكها. التواضع من أخلاق الكرام، والتكبر من شيم اللئام، التواضع يورث المحبة، والقناعة تورث الراحة.

إذا خفت على عملك العجب، فاذكر رضى من تطلب، وفي أي نعيم ترغب، ومن أي عقاب ترهب، فمن فكر في ذلك صغر عنده عمله”.

وقال: آلات الرياسة خمس: صدق اللهجة، وكتمان السر، والوفاء بالعهد، وابتداء النصيحة، وأداء الأمانة.
وقال: أرفع الناس قدرًا من لا يرى قدره، وأكثرهم فضلًا من لا يرى فضله.

وهذه الأقوال السابقة تدل على كمال عقله وفصاحته، فقد كانوا يعدونه من عقلاء الرجال.
قال الذهبي: “لا نُلَام والله على حب هذا الإمام؛ لأنه من رجال الكمال في زمانه”.

فرحم الله الشافعي، وأين مثله في صدقه، وشرفه، ونبله، وسعة علمه، وفرط ذكائه، ونصره للحق، وكثرة مناقبه، وقال الربيع بن سليمان: “لو وزن عقل الشافعي بنصف عقل أهل الأرض لرجحهم، ولو كان من بني إسرائيل لاحتاجوا إليه”.

وكان الشافعي رحمه الله كريمًا يُضرب به المثل مع أنه كان في أكثر حياته فقيرًا، فإذا أتاه مقدار من المال أنفقه، وتصدق به على الفقراء والمحتاجين، قال الحميدي: قدم الشافعي مرة من اليمن ومعه عشرون ألف دينار، فضرب خيمته خارجًا من مكة فما قام حتى فرقها كلها، وقال أبو ثور: أراد الشافعي الخروج إلى مكة ومعه مال، فقلت له: لو اشتريت به ضيعة لولدك، وكان قل أن يمسك شيئًا من سماحته، فخرج ثم قدم، فسألته فقال: لم أجد بمكة ضيعة يمكنني شراؤها بمعرفتي ولكني بنيت بمنى مضربًا يكون لأصحابنا إذا حجوا نزلوا فيه، قال أبو ثور: فرآني كأني اهتممت بذلك فأنشد يقول:

إِذَا أَصبَحتُ عِندِي قُوتُ يَومِي فَخَلِّ الهَمَّ عَنِّي يَا سَعِيدُ
وَلَا تَخطُرُ هُمُومُ غَدٍ بِبَالِي فَإِنَّ غَدًا لَهُ رِزْقٌ جَدِيدُ

وقال المزني: “دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقلت: يا أبا عبد الله كيف أصبحت؟ فرفع رأسه وقال: أصبحت من الدنيا راحلًا ولإخواني مفارقًا، ولسوء عملي ملاقيًا، وعلى الله واردًا، ما أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها، ثم بكى وأنشأ يقول:

وَلَمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي جَعَلْتُ رَجَائِي دُوْنَ عَفْوِكَ سُلَّمًا
تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا
فَمَا زِلْتَ ذَا عَفْوٍ عَنِ الذَّنْبِ لَمْ تَزَلْ تَجُودُ وَتَعْفُو مِنَّةً وَتَكَرُّمَا

وكانت وفات الإمام الشافعي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، بمصر يوم الخميس، وقيل: يوم الجمعة في آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين عن أربع وخمسين سنة رحمه الله.

قال الربيع: “رأيت الشافعي بعد وفاته بالمنام، فقلت: يا أبا عبدالله ما صنع الله بك؟ قال: أجلسني على كرسي من ذهب ونثر عليَّ اللؤلؤ الرطب”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

مكتبة جديد كتب بدف تستخدم منصة إعلانات آمنة من أجل تغطية موارد الاستضافة، يرجى تعطيل اضافة AdBlock للاستمرار في تصفح الموقع شكرا على تفهمكم